بقلم : محمد هرار- الدنمارك -

عندما يحل الانقلاب العسكري في بلد مثل مصر ـ بصورته الناعمة الجديدة ـ مدعوما بمجموعات مدنية وببعض مؤسسات الدولة العميقة المتستّرة بيافطة المجتمع المدني المكوّن من ليبراليين وعلمانيين وماركسيين جدد متواطئين مع قوى الشر والامبريالية في الداخل والخارج. فعليكم أن تتخيلوا تبعات ذلك التحرك العسكري لإسقاط الشرعية التي ارتضاها الشعب على جميع الأصعدة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا؛ حيث تغيب أو تُغيّب القيم الديموقراطية بما تحمل من معاني إحقاق الحق والفضيلة والمساواة بين أفراد المجتمع.. إلا أنّ المجال الحقوقي يبقى بلا شكّ أهمّ المجالات التي ستتأثر وتتضرر بل وتتراجع حتّى يحل محله الاستبداد والظلم والقهر والتسلّط بكل مكوناته ليمحو أثر كل المكتسبات الثورية التي جاء بها الربيع العربي الذي أشعل فتيله البوعزيزي في تونس. وهذا ما نراه ماثلا أمامنا اليوم في بلد أم الدنيا وأرض الكنانة. فما إن صدّق الشعب المصري أنه بثورة 25 يناير المجيدة قد انتقل نقلة واضحة المعالم، بعد إسقاط نظام مبارك الفاسد ومن سبقه، حيث جثم على صدور المصريين لأكثر من خمسين سنة على التوالي، وبدأ عهد جديد، يتمّ فيه لأوّل مرة التداول السلمي على السلطة، وتطلق فيه الحريات ويتحقّق به الاستقلال الحقيقي الذي تخلّصت فيه مصر أو كادت من التبعيات الأجنبية المتحكمة في الاقتصاد والسيادة للبلاد والعباد في تجربة فريدة من نوعها يحتاج غيرها من التجارب إلى عقود من الزمن لتقف على رجليها وتتعافى من كل السوس الذي نخر جسدها المنهك بفعل السياسات المضللة القديمة. ما إن حصل كلّ ذلك حتى عاد الانقلابيون المظلولون ليربكوا الشعب المصري من جديد ويستولوا بالسطو على السلطة الشرعية بسرقة ثورة 25 في ثورة مضادّة يوم 30 يونو من خلال مؤامرة داخلية وخارجية لا زالت أسرارها تتسرب يوما بعد يوم محدّثة بدقة تفاصيلها المملة

في الحقيقة هي ليست مؤامرة على مصر فحسب، بل هي خطة جهنمية خبيثة ومؤامرة على دول الربيع العربي بأكمله، على ــ افتراض ــ من يعتقدون أنّ الربيع العربي هو ــ (صناعة مفبركة) ــ من بعض الدول الكبرى وعلى رأسهم أمريكا وإسرائيل وبعض دول الخليج بزعامة الإمارات والسعودية للأسف. حيث أنّ الدعم المادي واللوجستي الذي قدمته الدول المذكورة كما يبدو من أجل إحداث التغييرات في الدول التي حدثت فيها ثورات قصد إعادة ترتيب الأولويات والخطط المعدّة سلفا؛ (ألف، باء، تاء)… للهيمنة من جديد بخطط استراتيجية تتطلبها طبيعة المرحلة القادمة أو ما سمي من قبل بـ (النظام العالمي الجديد)، (الشرق الأوسط الجديد)… من إعادة تقسيم الوطن العربي والإسلامي إلى كانتونات وبلدات بدل ماهو عليه الوضع الراهن. غير أنّ نتائجه جاءت عكسية تماما كما يبدو، فالديمقراطية وصناديق الاقتراع (الاكتتاب) الحر في بلاد المسلمين لا يمكن إلا أن تأتي بالإسلاميين إلى السلطة. أمر أدرك الغرب حقيقته ثم تداركته دول الخليج الآن تمام الإدراك، وعليه فقد كان لزاما إيقاف كرة الربيع العربي وإبطال مفعولها النشيط في إذابة ثلوج عالم إسلامي طالما “هنئ” ساكنوه باستقراره…

وإذا بدأ إزهار الرّبيع العربي من تونس فإنّ أريجه ورائحته الزكيّة لم تشع في الدنيا إلّا بقيام ثورة مصر المباركة لما لمصر من وزن إقليميّ ودوليّ وإسلاميّ على كلّ المستويات العلميّة والاقتصاديّة والنفعيّة. ولذلك كان الانكباب على مصر لإفشال الثورة وإنجاح الثورة المضادّة فيها واضحا جليّا تكاتفت فيه كلّ القوى التي لا تريد للمسلمين ديمقراطيّة ولا استقلاليّة، بل هي تكفربها مباشرة بعد إعلان فوز القوى الإسلامية. ذلك أنّ فشل الثورة في مصر سوف يترتّب عليه – وهذا فألهم وانتظاراتهم وتطلعهم – فشل الثورة في باقي بلدان الرّبيع العربي. وهو ما عُبّر عنه بردود الفعل الآنيّة في تونس والمغرب حيث برز مَن يهدّد بجرأة استثنائيّة (حركة تمرد) بفعل ما فعله “المصريون”!… ولكي ينجحوا في ثورتهم المضادّة كان لا بدّ لهم من أيديولوجيّة لم يجدوا أحسن من ــ شيطنة الإخوان المسلمين ــ أو “الإخوانيّة” في مصر، والعدالة والتنمية أو الظلاميين في المغرب، وحزب “الإخونجية” النهضة في تونس بديلا عنها عدوّ مشترك جمع “المسلم” وغير المسلم ممّن اشتدّ تماسكهم بمفعول إبغاض المسلم والإسلام!… لقد أدركت بعض دول الخليج الخطر الداهم من خلال توسعة نجاح الثورات، وخشيت كثيرا على أنظمتها، فكان التجاوب مع الغرب وإسرائيل وإيران أسرع مما ظنّ المراقب أو تصور. بل لقد راهنت على التنازل عمّا بقي من حصتها من خيرات شعوبها من أجل البقاء في السلطة وتجنب مصير من سبقوهم من الظالمين أمثال “ابن علي” و”القدافي” و”مبارك”. لا بل أصبح الارتماء في حضن عدو الأمس إيران من المسلمات علّها تحميها من خطر الجماعات السنية التي تريد تغيير الوضع القائم في الدول الإسلامية تغييرا حقيقا بما يتماشى وروح العصر من دون ظلم ولا انتقام. يبدوا أنّ التصالح والمودة الذي كان قائما لعقود بين دول الخليج والجماعات الإسلامية السنية، وبخاصة جماعة الإخوان المسلمون قد انتهت صلاحيته بعد أن تأكدت من عدم رضا القوى الغربية وإيران واحتمالية عدم التجانس في المستقبل في حالة اكتساح الربيع العربي لدولها. لذا فهي اليوم قد دخلت في مراجعات عميقة مغلوطة، وبالتالي سوف تزيد من التضيق على هذه الجماعات السنية، وما خبر التضييق والتهديد بالطرد للشيخ يوسف القرضاوي وقادة المقاومة في حماس والإعتقالات بالجملة في السعودية وباقي دول الخليج إن صح؟!، إلا واحدة من سلسلة الإجراءات التي ستقوم بها دول الخليج مجتمعة ضد الإخوان المسلمون وباقي الجماعات الإسلامية السنية في السنوات القادمة لإرضاء الغرب والصهاينة وإيران.. ثمّ لتحافظ على أنظمتها في منعة من السقوط.

لكن..إلى متى ستبقى الشعوب صابرة على الظلم والطغيان والحرمان والإهانات؟

وهل صحيح أن الأمة الإسلامية التي تشكل ربع سكان العالم لا تجد البديل للأنظمة الحالية؟ وهل المراهنة الدائمة على الخوف من الفتنة والإقتتال بين أبناء الوطن الواحد وحصول الفرقة بالتناحر بينهم في حال المطالبة بالتغير الحقيقي داخل أوطانهم مبرر لإستمرار الظلم والفساد في أوطانهم؟.

الشعوب العربية والإسلامية مع المدة والأمد الكبيرين من ظلم وقهر وفقر وتأخر بفعل إخفاقات الأنظمة القمعية مند الإستقلال، لم تلجأ للعنف بسفك الدماء ولم تنتهك الأعراض ولم تنهب وتسرق الأموال ولم تكن يوما تساهم في تمزيق وحدة الأوطان.. بل بالعكس هي على الرغم من كل ما تتعرض إليه… حافظت على وحدة وأمن الأوطان ولا تزال وستبقى لا خيار.

لكن ومن دون شك أن الثورات التي انطلقت من تونس وتوجت في مصر، وهي على المحك الآن، قد رسمت خارطة طريق للتخلص من النظم غير الديمقراطية. فما على الثائرين إلاّ أن يكونوا على قدر من التوازن الدائم بين استمرار الثورات السلمية، والحذر من الوقوع في الفتنة الداخلية.

79 total views, 1 views today


Comments

comments