بقلم: ذ. عيسى أشرقي

نترحم على الأرواح الطاهرة التي تغتصب في مصر على أيادي الفئة الباغية في مؤسسة الجيش والداخلية، المدعومتان بكل المبطلين “العلمانيين” الذين انجرفت وانحرفت نفوسهم إلى شعاب الفسق والبغي والكبر وسفك الدماء والعداء السافر للدين ولكل أشكال المروءات والفضائل الإنسانية التي جاءت ثمرة للحكمة البشرية. فرحم الله الرجال والنساء والأطفال الأبرياء. وكان الله “الشافي” للجرحى الأوفياء، سواء الجرحى جسديا أو الجرحى معنويا من اليتامى والأرامل والثكالى. وللصامدين المراطين على ثغور القيم والأصول والمبادئ نسأل الله الثبات. فخلف هذا التدافع عقائد. وخلف هذه الأحداث نفوس. ” كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا “. فمدد الله لكل الناس لا ينقطع ، وخزائنه في حق خلقه لا تنضب، وحكمته في ملكه وملكوته لا تحيد عن سابق تدبيره وحكمه. وأنا أكتب هذه الحروف بلغتني كما بلغت عموم المسلمين كلمات ملك الحجاز السعودي. لعله الهلع والخوف الشديد الذي بات يسكن قصور الملوك وهم يرون الشعوب المسلمة تستيقظ لتكسر سلاسل الاستعباد وتنادي بالعدل وتسترخص من أجله أرواحها وأموالها. في تاريخنا مجازر لا تحصى ومآسي دموية لا تعد. كل الدماء التي سالت أنهارا كانت على أيادي حكام ظلمة. لما تجرؤوا على الخالق ونبذوا كتابه ظهريا هان عليهم قتل عباده وعبيده من خلقه. لا يفرقون بين الدم والنبيذ. فكلاهما مسكر، وكلاهما حلال. لا يمكن مقارنة “مجزرة السيسي” البطل القومي بمجازر إسرائيل في القدس وحيفا وبلد الشيخ والعباسية وصبرا وشاتيلا و غزة. مجازر الخائن ( المصري ) اشترى أسلحتها ودباباتها وقنابلها ومروحياتها الشعب المصري نفسه. دفع المسكين أمواله وجزءا من ثرواته، وصبر المبتلى المستضعف على الفقر والفاقة والجوع والوسخ ليرى له جيشا يحميه من المتربصين المستكبرين، وينعم بالأمان الذي من الله به عز وجل على قوم نبيه ” فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”. قبل الشعب البطل “التقلل” وفتنة الجوع والعوز وكل أشكال المعاناة ليملك قوة عسكرية تردع الجاني المعتدي من الخارج الذي يحوم حول حمى الحرمات. لم يخطر بخلده أن جيشه بيع بثمن بخس دراهم معدودات للصهاينة وحليفهم النصراني الصليبي أب ورائد الفلسفة البرغماتية. لن نحزن ولن نيأس ولن نبتئس لما يجري في مصر. لا وجود للعاطفة الرخيصة، والكلمات الركيكة التي تعبر في عمقها عما سكن في أعماق أعماق النفوس، وما انغرز في بواطن بواطن الأفئدة ، وما تشربته خلايا العقول من أمراض القعود والجبن والغثائية والوهن. ولى زمان الأعذار والتثاقل، وأقبل فجر الاقتحام والبذل. ولاقيمة لأرواح ليست لها خواطر الموت فداء للكرامة والحرية والعزة. انكشف الغطاء وسقطت الأقنعة، وظهرت للأمة بكاملها الحقيقة المرة التي ملأت الحلقة غصة، والقلب كمدا، والعقل حيرة : أنها لا تملك أعز ما يجب أن تملك، الجيش. الجيش له رمزية خاصة. فهو لبنة أساسية في هرم الدولة المعاصرة، وإن كان في ميزان الإيمان يبقى الاعتبار دائما للأمة بكل فئاتها. فلا قيمة لأمتنا إن لم تكن فبها قومة تربوية تعليمية تجعل من كل فرد فرد فارسا مجاهدا يحمل في صدره وجوفه همة الاستشهاد في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين، وفي عقله حكمة تدبير معاشه بما يوافق ويساير ويتطلع ويشد ويخدم هذه الغاية النبيلة الشريفة السامية المجيدة التي تتلخص قي الشهادة بالقسط بكل أبعادها، ابتداء من إماطة الأذى عن طريق الخلق إلى الدلالة على الله عز في علاه، وتقدس في أسمائه، وجل سبحانه في صفاته. الجيش لبنة لا تصنعها الثكنات والأكاديميات العسكرية، وتبادل الخبرات والزيارات مع المستكبرين، والتنسيق الأمني ضد الإرهاب المزعوم، والمشاركة مع الأعداء في المناورات تحت سماء وفوق أرض الأمة لتصبح أجزاءها وجزئياتها في علم العدو وقبضته. الجيش الذي لا يخون هو الجيش الذي يتربى في أحضان الأمة، تحت إمامة المربين السالكين أطباء القلوب الذين كملت خصالهم بكمال تربيتهم، و”كمال التربية امتلاك النفس” كما قال الإمام المجدد الأستاذ عبد السلا ياسين طيب الله روحه. الجيش الذي لا يخون هو الجيش الذي بتعلم الولاء لله ولرسوله ولكتابه. الجيش الذي لا يخون هو الجيش الذي يعشق رجاله أصوات المؤذنين وتنجذب أرواحهم إلى الآخرة. الجيش الذي لا يخون هو الجيش الذي لا تستعبده أوامر الجنرالات المنحرفين، بل الذي يملك ميزان تقدير القرارات على شرط دين الله. في مصر أرادت الأمة أن ترفع رأسها، وتعالج نفسها من سموم الحكم الجبري الاستبدادي. واعتقدت أن الجيش جيشها، ولكنها اكتشفت أن الجيش المصري هو سيف الحاكم المستبد. ذهب الحاكم وبقي السيف. هكذا الحكام يملكون كل شيء. في الحجاز أطلقت عائلة آل سعود إسمها على الدولة كاملة : المملكة العربية السعودية. وتم تقسيمها على الأمراء تقسيما إداريا يشبه تقسيم الضيعات. وفي المغرب تعامل الحكام بنوع من الحياء فنسبوا إليهم أشياء تلميحا حتى يفهم اللبيب. فعندنا الدرك “الملكي”. وعندنا القوات المساعدة الملكية. وعندنا الجامعة الملكية للفروسية. وعندنا الخطوط الجوية الملكية. ومن سخرية الأقدار كما يقال بقيت خطوطنا الجوية مستضعفة فاشلة مثلنا رغم أنها “ملكية” الإسم والنسب. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز :” يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم. فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تاويلا”. الحاكم الذي ليس منا، والجيش الذي ليس منا، والبرلمان الذي ليس منا، والمؤسسات التي ليست منا، كل ذلك مآله التغيير. هذا هو الدرس المصري. وللتغيير شروطه ومقتضياته ولوازمه وأساليبه وأحكامه. الدواء نبوي، والنبوة تربية وعلم وفقه وحكمة.

495 total views, 7 views today


Comments

comments