بقلم: ذ. عيسى أشرقي 

لا شيء يعلو اليوم فوق ضجيج مصر. حتى طائرات ودبابات الطاغية البعثي القومي العربي بشار الأسد التي لا تستريح عن تدمير البيوت، وتمزيق الأجساد أشلاء لم تستطع أن ترفع صوتها فوق صوت مؤامرة الجيش المصري وأعداء الديمقراطية. وإن كان جيش مصر ليس في الحقيقة إلا اليد المنفذة. أما العقل المدبر الذي رسم المؤامرة وحدد تاريخها وأشكالها وأساليبها ووسائلها ورموزها فقد تكون أطرافه في كنيست صهيون، والقصور الفاشية في الخليج والأماكن المظلمة داخل مصر وخارجها. لقد كانت مصر في تارخها أرضا وشاهدا على أكبر أنواع الجهل والإجرام في تاريخ البشرية. إجرام نقله القرآن الكريم بالتفصيل وفي كل أبعاده العقلية والنفسية والاجتماعية والعسكرية والفكرية. بل من موعظة الله سبحانه وتعالى لخلقه، ورحمته بهم أن حفظ لهم جسد الغريق الهالك فرعون ليبقى التذكير الرباني حيا طريا، وتستمر حجة الله ماثلة غالبة قاهرة. فرعون الذي تمثل دعوة الانحراف، وجسد الروح الخبيثة للتمرد والزيغ والجور، وكان عنوانا للنفس البشرية التي تتأخر وتتخلف عن اقتحام عقبة الإيمان بالله، وتنسلخ من فطرتها، وتهوي في مهاوي الكبر والأنانية لتتسلط على رقاب العباد، وتستعبدهم وتمارس عليهم كل أساليب التضليل والخداع والمكر والتلبيس، وتغلق أمامهم منافذ العلم والمعرفة والتحرر التي تدلهم على الخالق البارئ العليم الخبير العدل الواحد الأحد سبحانه. بلغة العصر ومفاهيمه، كان حكم فرعون تجربة قاسية جردت الشعب من معنى الحياة، وسلبته حرية التعبير، ومنعته من أي أنواع المبادرات. فلا وجود لشيئ إسمه “الشعب”. فالشعب شيئ من أشياء فرعون وأمتعته وممتلكاته. مع هذه الخلفية التاريخية البارزة لتاريخ مصر، هناك خلفية أخرى ذات بعد إسلامي. فشعب مصر هو جزء من هذه الأمة، وحامل من حملة رسالة الإسلام ووراث من ورثتها. يحمل بين أركان قلبه، وثنايا عقله التجربة النبوية التي صاغها الحبيب الطبيب رسولنا الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. تجربة مبتداها ومنتهاها الرقي بالإنسان من جاذبية الأرض وحظوظ وحضيض النفس إلى كمالاته الروحية والعقلية والإرادية حتى يتمكن من التحرر الكلي من كل أنواع الاستعباد ولو كان في زي الدين. وقد قال أحد أكابر هذه الأمة وفاروقها مخاطبا أحد أبناء الإسلام : ” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.” أحرارا بالفطرة، والفطرة تحفة وجمال الأولياء الصالحين. في ذاكرة مصر توجد النبوة. وفي ذاكرة مصر توجد الخلافة. وفي ذاكرة مصر يوجد رسم بياني للانحدار التاريخي الذي فرضه الأمويون وكان بداية النقض لعرى الإسلام وعهوده ومواثيقه. حتى جاءنا حكام جهلة سفلة سفهة، اتخذوا دين الله مطية وجعلوه وسيلة وتابعا وخادما. وانهار ت الأمة بانهيار الأصول والثوابت التي بوأتها الصدارة، بل استبدلت المفاهيم الأصيلة بمفاهيم دخيلة، وتصدر الحكام وهم يضعون تيجان الألقاب الكاذبة طوابير الغافلين لهدم الدين واجتثاثه من قلوب الناس. وثارت مصر كما الأقطار الأخرى لأنها حرة لا ترضى الضيم. وانطلقت تبحث عن الذات والهوية والتحرر والريادة والقوة والعدل والأمان والكرامة والعزة. ومهما علت أماج الطغاة واستفزت، ومهما سفكت أياديهم وذبحت، ومهما خططت عقولهم ومكرت، ومهما قست قلوبهم واشتدت، ومهما هاجت نفوسهم وخفت فالأمر لله من قبل ومن بعد، وناموس الله وروحه الأمين وجنده مع المستضعفين.

128 total views, 5 views today


Comments

comments