بقلم: عبد الإله الوزاني التهامي

من جملة الخصوصيات التي تشتهر بها قبيلة غمارة الكبرى ، و منها التراثي و الحضاري و العسكري و البيئي ، ارتباطا بال\اكرة التاريخية لسكانها ، أضرحة بعض مشاهير أولياء و وليات المغرب ، أمثال ضريح سيدي البوزيدي و ضريح سيدي عبد الرحمن الزيات شيخ مولاي عبدالسلام بن مشيش ، و ضريح سيدي أحمد الفيلالي ، و ضريح الصوفية الشهيرة للا الهاشمية ، كما تعرف غمارة أيضا بتواجد زاوية دار الضمانة بها ، و زاوية آل تجكان ، و بمآثر و معالم تؤرخ لحقبة حكم الأدارسة ، و لفترة الاستعمار الإسباني ، و فترة الغزو الروماني و البرتغالي ، و لفترة هجرة الاندلسيين إلى بعض شواطئها …. و كل الفترات التاريخية ترك أصحابها بصمات ثقافية غائرة . لذا يندرج تراث غمارة الوطني و الإنساني و الإسلامي ، ضمن منظومة الحضارة المغربية ، و ذلك لكونه يعبر باختصار واضح ، عن المراحل التي عاشها سكان المنطقة ، و التي بصمت هوية ألأجيال المتعاقبة في بعديها الثقافي و التاريخي . و لا يمكن أن ينكر تاريخ المنطقة و تراثها الحضاري و جهاد أهلها ، إلا جهول أو حقود أو أحد أبناء و أحفاد عملاء الاستعمار الغاشم ، أو أصحاب نيات مبيتة تستهدف النيل من مكانة هذا الجزء من وطننا و من أهله ، تمهيدا لنهج سياسة السطو و الطمس ، ليهل عليها “الاستئثار” و “قلب الحقائق” و تزييف و تزوير تاريخ المنطقة . فحيثما ولى الزائر و السائح وجهه في مداشر و قرى و مراكز المنطقة ، إلا و يلفت انتباهه و يعترض بصره ، جامع عتيق أو ضريح ولي شهير ، أو برج أو قوس أو قبة أو …. من خلال تلك المعالم يتبين أن أجيال المنطقة واكبت مختلف الحقب و المراحل التاريخية التي مر منها المغرب ، و تكيفت معها و أفادتها و استفادت منها ، إذ نجد فيما ذكر بصمات و علامات إسبانية و رومانية و إسلامية ، إدريسية و صوفية .. و برتغالية . و لكل شكل إطاره الهندسي و مرجعياته السياسية و الفنية ، و خلفياته و أناقته الدلالية ، و سياقه النفسي و الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي . و لا يمكن بأي حال أن نجرد كل تلك المعالم و المآثر ، بما تحمله من رمزية في عمقها الدينامي الحيوي ، لأنها ليست مادة تافهة ، و لاجدران خرساء ، ولا عناصر طينية صماء ، بل العكس تماما فهي إطارات فاعلة مؤثرة في حياة السكان و الوافدين على المنطقة على حد سواء ، تصيغ ذهنياتهم و تغني و ترسخ ثقافتهم . فهي قد هندست في الماضي و لازالت تهندس في الحاضر سلوكيات و وجدانيات أبناء المنطقة ، و مارست و تمارس إغواءها و تأثيرها الجمالي و القيمي على مشاعرهم و أحاسيسهم ، و تفتح الأمل في أفق انتظاراتهم ، و تحاطبهم بلغتها الرمزية الخفية الجلية ، التي تفصح عنها هندسة قبابها و أقواسها و أحجارها و مقابر المجاهدين المستشهدين المتواجدة في مواقع شاطئية و جبلية عديدة . و بالتالي فهي تنبهنا إلى أنها تنطوي على سر دفين ، يحتاج إلى فهم و تأمل عميقين ، و تواصل خالص و قراءة متدبرة ، من قبل المهتمين و الجمعويين و الإعلاميين و السياسيين ، قصد استخلاص العبر منها و إحيائها و استثمارها . إن المنظومة التراثية المهيمنة على الوعي الجمعي ، لأبناء غمارة و البانية لذاكرتهم التاريخية الجماعية ، انبثقت أساسا من ماضي القبيلة الجهادي ، و من الحقب الاستعمارية و الغزوات الخارجية ، و من تأثيرات الزوايا ، و من السير الصوفية لرجالاتها و لبعض نسائها ، و من كد و جد أبنائها و إسهاماتهم في شتى المجالات ، و من تطوع الغماريين و مساهمتهم في فتح الأندلس ، كما تأثرت بالهجرات المتتابعة للأندلسيين ، الذين استقروا في تخوم بعض سواحلها الشاطئية . فإلى متى سيظل الاهتمام بالمنطقة الغمارية الكبيرة ، منحصرا في استغلالها و اتخاذها بقرة حلوبا ، بدلا من مراعاة خصوصياتها التاريخية المتميزة ، و استثمار رصيدها الحضاري و التراثي النفيس و الضخم ؟ غمارة ، منطقة ثرية و غنية بكل شيئ ، لكن “المركز” جعل منها جزءا من مغرب “غير نافع” ، و أذعن في طمس هويتها و تشويه تاريخها و تهميش حضارتها ، و “استنبت” على تربتها الطاهرة نبتة خبيثة “غالية الثمن ” ، بشكل مقصود ، ثم عمل بكل مكره و دهائه ، على حرمان أبناء المنطقة من مردودها و مما تدره من دخل ضخم ، حيث لا يحتكر الاستفادة من مداخيلها ، سوى “المخزن” بأجهزته المتنوعة و أسلاكه المختلفة ، بعدما كانت معقلا للعلم و الجهاد و التصوف … و يبقى “الغماري متهما” ، في حين يظل “المخزني” يأمر و ينهى و يحلب و يجلب … هكذا تم الانتقام من غمارة العامرة ، من طرف مركز لا يؤمن بوجود أطراف و حواشي إلا “عبيدا و خدما” . فمن الأولى و الأجدر بإعادة الاعتبار لغمارة العامرة ، مركز “يعلو و لا يعلى عليه” ، أم أهل المنطقة التائهون في مهاوي “حب السلطة” و “اللآمبالاة” و “انعدام الضمير ” و التمتع “الشهواني البهيمي ” الزائل …. مع استثناءات لنا فيها الأمل في تحريك المياه الراكدة و تجديد جريانها ، بما يخدم المنطقة و الوطن كله . و صدق من قال : ” لو جهزت غمارة و دعمت بكل الوسائل و الآليات المتعلقة بالفلاحة مثلا ، لوفرت تغطية غذائية شاملة لكل الشمال المغربي ، بمدنه و قراه ” المؤرخ محمد بن عزوز حكيم … فضلا عن المجالات الأخرى . اطمئني يا “غمارة” ، فلا بد يوما سيسطع نور شمسك ، و لابد يوما سيستيقظ “رصيد أمسك”.

165 total views, 2 views today


Comments

comments